الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

353

نفحات القرآن

يضاف إلى الجواب : « وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . فبداية الآية تشير إلى المنزل الأول أي « الموت » وذيلها يشير إلى المنزل الثاني أي « البرزخ » . وبالرغم من اصرار البعض على تفسيرهم البرزخ هنا بمعنى الحائل الذي يحول بين الإنسان ودرجات الجنّة العُليا ، إلّاأنّ جملة « إلى يوم يبعثون » تعتبر قرينة واضحة ، على أنّ عالم البرزخ هو مرحلة تسبق يوم القيامة ، وتقع بعد الموت . كما فسّر البعض البرزخ أنّه بمعنى المانع الذّي يحول بين الإنسان والعودة إلى الدنيا ، لكنّ هذا المعنى أيضاً لا يتلاءم مع ذيل الآية وهو التصريح ببقاء هذا البرزخ إلى يوم القيامة ، وبهذا أثبتت الآية المذكورة بوضوح وجود عالم يتوسط بين الدنيا والآخرة . وكلمة « وراء » تأتي أحياناً بمعنى « الخلف » وأحياناً أخرى بمعنى « الأمام » ، وذلك لأنّ هذه الكلمة من مادة ( ورى ) على وزن ( سعى ) وهي بمعنى الاخفاء ، فمن يقف إلى أحد جانبي الجدار مثلًا يعدّ الطرف الآخر الذي يخفى عليه « وراء » بالنسبة له ، بناء على هذا فالإنسان في أيّ جهة كان من الجدار يعدّ الطرف المقابل له « وراء » بالنسبة له « 1 » . جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : « اتخوَّف عليكم من البرزخ » . « 2 » فسأله الراوي : ما البرزخ ؟ فقال عليه السلام : « القبرُ منذ حينَ موتهِ إلى يوم القيامة » « 3 » . وجاء في حديث آخر عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال : « إنّ القبر روضةٌ من رياض الجنّة ، أو حفرةٌ من حُفَر النيران » « 4 » .

--> ( 1 ) مفردات الراغب ، مادة ( ورى ) . ( 2 ) منازل الآخرة ، ص 161 . ( 3 ) تفسير البرهان ، ج 3 ، ص 120 ، ح 2 و 1 . ( 4 ) المصدر السابق .